يصادف 28 يوليوز/تموز 2026 الذكرى الخامسة والسبعين لاعتماد اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. وبهذه المناسبة، تدعو الأور ومتوسطية للحقوق الدول إلى الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي للاجئين واحترام الحق العالمي في طلب اللجوء.
وقد اعتُمدت هذه الاتفاقية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ولا تزال تشكل حجر الأساس للقانون الدولي الخاص باللاجئين. وهي تحدد الشروط التي تتيح الاعتراف بالشخص كلاجئ، كما تبين الالتزامات المترتبة على الدول تجاه الأشخاص الفارين من الاضطهاد.
ويقوم جوهر الاتفاقية على مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة أي شخص إلى إقليم قد تتعرض فيه حياته و/أو حريته للخطر. ولكي يُطبَّق هذا المبدأ تطبيقاً فعلياً، يجب أن يتمكن الأشخاص الفارون من الاضطهاد والحروب من الوصول فعلياً إلى أراضي الدول التي تفي بالتزاماتها بموجب الاتفاقية، وأن تتاح لهم إجراءات لجوء عادلة تضمن دراسة طلبات الحماية الخاصة بهم على أساس فردي. غير أن هذه المبادئ تواجه اليوم تهديدات متزايدة في الفضاء الأورو متوسطي.
وبحلول نهاية عام 2025، بلغ عدد الأشخاص الذين أُجبروا على النزوح قسراً في العالم 117.8 مليون شخص، من بينهم 41.6 مليون لاجئ و9 ملايين طالب لجوء. وعلى الصعيد العالمي، أُجبر أكثر من شخص واحد من كل سبعين شخصاً على مغادرة منزله. ومن بين هؤلاء، لم يتقدم سوى أقل من 8٪ بطلب لجوء لأول مرة في الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا واليونان، فيما كان ما يقارب ربع الطلبات مقدماً من أطفال، من بينهم 21 ألف طفل غير مصحوب أو منفصل عن ذويه. ومع ذلك، يواصل الاتحاد الأوروبي التعامل مع اللجوء باعتباره قضية أمنية بالدرجة الأولى، من خلال حرمان الأشخاص من الوصول إلى أراضيه، بما في ذلك عبر الإعادات القسرية غير القانونية («الصدّ على الحدود»)، التي غالباً ما تقترن باستخدام العنف ضد أشخاص يوجدون أصلاً في أوضاع شديدة الهشاشة.
وقد عزز دخول الميثاق الأوروبي بشأن الهجرة واللجوء حيّز التنفيذ في 12 يونيو/حزيران 2026 هذا التوجه، مضيفاً شكلاً من أشكال التمييز المؤسسي ضد الأشخاص القادمين من بلدان تُعتبر «آمنة». ويُجبر هؤلاء، بمن فيهم الأطفال، على البقاء في المناطق الحدودية، وغالباً في ظروف غير ملائمة، أثناء خضوعهم لإجراءات لجوء معجلة تفتقر إلى الضمانات الأساسية.
وفي موازاة ذلك، يعتمد الاتحاد الأوروبي بصورة متزايدة على اتفاقات مع دول ثالثة غير آمنة للتنصل من نصيبه العادل من المسؤولية، من خلال تمويل المعدات وبرامج التدريب والعمليات الرامية إلى منع الأشخاص من الوصول إلى أراضيه بطرق غير نظامية، رغم أن غياب المسارات القانونية للوصول إلى الحماية في الاتحاد الأوروبي يجعل هذه الوسائل الخيار الوحيد المتاح أمام الأشخاص الفارين من الاضطهاد.
وبحلول نهاية عام 2024، كانت السلطات التونسية قد اعترضت بصورة تراكمية أكثر من 140 ألف شخص خلال عامي 2023 و2024. كما وثقت تحقيقات مستقلة عمليات اعتراض عنيفة، وعمليات طرد جماعي، ونقل أشخاص إلى مناطق حدودية نائية. وفي عام 2025، سجلت المنظمة الدولية للهجرة ما لا يقل عن 3403 حالات وفاة أو فقدان على طرق الهجرة المؤدية إلى أوروبا. وعلى طريق وسط البحر الأبيض المتوسط وحده، الذي يربط أساساً ليبيا وتونس بإيطاليا، سُجل أكثر من 26500 حالة وفاة أو فقدان منذ عام 2014. ولا تمثل هذه الأرقام سوى الحد الأدنى، إذ إن العديد من حوادث غرق القوارب والوفيات لا يتم توثيقها.
ولا تمنح اتفاقية عام 1951 صفة اللاجئ تلقائياً، لكنها تُلزم الدول بالنظر في كل طلب على أساس فردي، وتحظر عليها إعادة أي شخص إلى إقليم قد تكون حقوقه فيه معرضة للخطر. ويقتضي احترام هذا المبدأ أن تتاح لكل شخص إمكانية الوصول إلى إجراءات اللجوء، وأن يُنظر في طلبه بصورة فردية.
ولم تكن اتفاقية عام 1951 مجرد نص قانوني، بل أتاحت لملايين الأشخاص الفارين من الحروب والاضطهاد أن يجدوا الأمان، وأن يجتمعوا بأسرهم، ويواصلوا تعليمهم، ويجدوا عملاً، ويعيدوا بناء حياتهم. وقد أصبح ذلك ممكناً أيضاً بفضل المجتمعات التي اختارت استقبالهم. فمن المدن والبلديات المرحبة، إلى المدارس والجامعات، ومنظمات المجتمع المدني، والمواطنين المنخرطين، لا تزال مبادرات لا تُحصى ترسخ ثقافة الترحيب رغم التشدد المتزايد في سياسات اللجوء. وكما تذكرنا المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لا يوجد مجتمع بمنأى عن الحروب أو الاضطهاد أو الأزمات المفاجئة. ولذلك، فإن حماية الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار ليست مجرد التزام قانوني أو تعبير عن التضامن مع الآخرين.
وعندما يصبح الوصول إلى إجراءات اللجوء مستحيلاً في الواقع، فإن الأساس الذي تقوم عليه الحماية الدولية والقانون الدولي يصبح مهدداً. فالحق في طلب اللجوء، ومعه احترام سيادة القانون، لا يُقاس بمجرد وجوده في النصوص القانونية، بل بقدرة الأشخاص الفارين من الاضطهاد على طلب الحماية، والحصول عليها، متى استوفوا شروطها.
