“إن الدفاع عن استقلال المحاماة ليس دفاعا عن مهنة، وإنما دفاع عن حق كل إنسان في أن يجد، عندما يلجأ إلى العدالة، دفاعا حرا، مستقلا وفعالا.“
في اللحظات التي تكون فيها الضمانات الأساسية لدولة الحق والقانون موضوع نقاش تشريعي، لا يكون الصمت خيارا بالنسبة للحركة الحقوقية. فحماية الحقوق والحريات لا تقتصر على رصد الانتهاكات أو الترافع بشأنها، بل تمتد أيضا إلى الدفاع عن الضمانات الدستورية والمؤسساتية التي تكفل احترامها، وفي مقدمتها الحق في الدفاع، واستقلال المحاماة، والمحاكمة العادلة.
وانطلاقا من هذه المسؤولية، تعلن الجمعيات الحقوقية المغربية المنضوية في شبكة الأورو-متوسط للحقوق تضامنها الكامل واللامشروط مع المحاميات والمحامين بالمغرب، ومع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، في كل المبادرات المشروعة التي تخوضها دفاعا عن استقلال المهنة وصيانة رسالتها الدستورية، وذلك على ضوء التطورات التي يعرفها مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، والذي، رغم ما عرفه من تدارك جزئي لبعض المقتضيات خلال مناقشته بمجلس المستشارين، لا يزال يثير إشكالات دستورية وحقوقية تستوجب المراجعة خلال مرحلة القراءة الثانية بمجلس النواب.
إن هذا الموقف لا يصدر عن اعتبارات مهنية أو فئوية، ولا يعكس اصطفافا إلى جانب طرف دون آخر، وإنما يعبر عن قناعة راسخة بأن استقلال المحاماة يشكل إحدى الركائز الأساسية لدولة الحق والقانون، وأن أي مساس بالضمانات المؤطرة لاستقلال الدفاع لا تنحصر آثاره في تنظيم مهنة، وإنما تمتد إلى حق المواطنين في الولوج إلى عدالة مستقلة ومنصفة، وإلى الثقة في المؤسسات وفي سيادة القانون.
كما تذكر الجمعيات بالدور الوطني الذي اضطلعت به المحاماة المغربية، على امتداد عقود، في الدفاع عن الحريات العامة، ومؤازرة ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والمساهمة في مسار العدالة الانتقالية، ومواكبة نضالات الحركة الحقوقية، وهو ما جعلها شريكا أساسيا في ترسيخ دولة الحق والقانون، وليس مجرد مرفق من مرافق العدالة.
وفي هذا الصدد تؤكد المواثيق والمعايير الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ومبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين (هافانا، 1990)، والمبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، وإعلان الأمم المتحدة بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان، والمبادئ والإرشادات المتعلقة بالحق في المحاكمة العادلة والمساعدة القانونية في إفريقيا، على أن استقلال المحاماة ليس امتيازا مهنيا، وإنما ضمانة أساسية لإعمال الحق في الدفاع، وأن من واجب الدول توفير البيئة القانونية والمؤسساتية التي تمكن المحامين وهيئاتهم المهنية من أداء رسالتهم بحرية واستقلال، بعيدا عن كل أشكال التأثير أو الوصاية أو التدخل غير المشروع.
ومن جهته كرس دستور المملكة لسنة 2011 تصورا متقدما لمنظومة العدالة، يقوم على استقلال السلطة القضائية، وضمان الحق في التقاضي، والحق في الدفاع، والمحاكمة العادلة، وربط ممارسة السلطة باحترام الحقوق والحريات، كما أقر بدور المجتمع المدني في الإسهام في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية. وبموجب ديباجة الدستور، التزم المغرب أيضا بملاءمة تشريعاته مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادق عليها.
ومن هذا المنطلق، فإن الجمعيات الموقعة تؤكد أن إصلاح مهنة المحاماة يظل ورشا وطنيا ضروريا، تفرضه التحولات التي تعرفها منظومة العدالة وتطور حاجيات المجتمع، غير أن مشروعية أي إصلاح لا تقاس بسرعة اعتماده أو بعدد المقتضيات التي يعدلها، وإنما بمدى انسجامه مع المعايير الدوليةواحترامه للدستور، وتعزيزه لاستقلال الدفاع، وصيانته للتنظيم الذاتي للمهنة، وترسيخه للضمانات التي تجعل من المحاماة شريكا في تحقيق العدالة وحماية الحقوق والحريات.
وفي هذا السياق، تسجل الجمعيات أن التشريع في مجال الحقوق والحريات يقتضي اعتماد أعلى معايير الجودة التشريعية، القائمة على المقاربة التشاركية، والحوار المؤسساتي، والإنصات للخبرة المهنية والحقوقية، وتقييم الأثر التشريعي، بما يضمن إنتاج نصوص مستقرة، منسجمة مع الدستور، وتحظى بالثقة والمشروعية المجتمعية.
ومن هذا المنظور، تأسف الجمعيات لكون النقاش الذي رافق مشروع القانون، والذي لم يفض إلى التوافق المؤسسي والمهني الذي يقتضيه تنظيم إحدى الدعائم الأساسية للعدالة، ولم يستوعب، بالقدر الكافي، الملاحظات الجوهرية التي عبرت عنها المؤسسات المهنية والفعاليات الحقوقية وعدد من الخبراء، وهو ما يفرض استثمار مرحلة القراءة الثانية لإعادة بناء التوافق حول المقتضيات التي ما تزال محل خلاف، بما يكرس الثقة في المؤسسة التشريعية ويعزز جودة التشريع.
وانطلاقاً من هذه المبادئ، فإن الجمعيات الحقوقية الموقعة، وهي تستحضر مسؤوليتها في الدفاع عن الحقوق والحريات وصيانة الضمانات الدستورية للمحاكمة العادلة، تعتبر أن عددا من المقتضيات التي لا تزال يتضمنها مشروع القانون تطرح إشكالات دستورية وحقوقية حقيقية، بالنظر إلى آثارها المحتملة على استقلال المحاماة، وعلى التنظيم الذاتي للمهنة، وعلى التوازن الواجب الحفاظ عليه بين مختلف مكونات منظومة العدالة.
ولا يتعلق الأمر باختلاف في التقدير حول اختيارات تشريعية جزئية، وإنما بمدى احترام المبادئ الدستورية التي تؤطر تنظيم إحدى أهم مؤسسات العدالة. فكلما تعلق الأمر بتشريع يمس الحق في الدفاع أو الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، تعين على المشرع أن يلتزم بأعلى معايير الضرورة والتناسب والجودة التشريعية، وأن يتجنب كل مقتضى يمكن أن يؤدي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إضعاف استقلال الدفاع أو الحد من استقلال الهيئات المهنية في تدبير شؤونها.
وتسجل الجمعيات، بوجه خاص، أن بعض المقتضيات المرتبطة باختصاصات الهيئات المهنية، وبحدود تدخل السلطة التنفيذية في بعض جوانب التنظيم المهني، وبالجوانب المالية والإدارية، وبالنظام التأديبي، لا تزال تستوجب مراجعة بما يضمن انسجامها الكامل مع الدستور، ومع المعايير الدولية المؤطرة لاستقلال المحاماة، ومع متطلبات التنظيم الذاتي للمهن الحرة في الأنظمة الديمقراطية.
وإذ تثمن الجمعيات ما تم إدخاله من تعديلات استجابة لبعض المطالب المهنية والحقوقية، فإنها تؤكد أن هذا التدارك الجزئي لا يغني عن مراجعة باقي المقتضيات التي ما تزال تثير تحفظات جدية، لأن حماية الضمانات الدستورية لا تقبل التجزئة، ولا يجوز أن تخضع لمنطق التسويات المرحلية.
كما تؤكد الجمعيات أن المحاميات والمحامين، بالنظر إلى الدور الذي يضطلعون به في حماية الحقوق والحريات ومؤازرة ضحايا الانتهاكات والدفاع عن الفئات الهشة ومساندة المدافعين عن حقوق الإنسان، يشكلون جزءاً من منظومة حماية حقوق الإنسان، الأمر الذي يجعل تعزيز استقلالهم وحماية مؤسساتهم المهنية جزءا من التزامات المملكة المغربية بموجب إعلان الأمم المتحدة بشأن المدافعين عن حقوق الإنسان، وغيره من الصكوك الدولية ذات الصلة.
وفي هذا الإطار، تعتبر الجمعيات أن مرحلة القراءة الثانية بمجلس النواب تشكل فرصة دستورية ومسؤولية تشريعية لإعادة النظر في المقتضيات التي لا تزال محل خلاف، واعتماد مقاربة أكثر انفتاحا على الحوار والتشاور، بما يفضي إلى إخراج قانون حديث ومتوازن، يعزز استقلال المحاماة، ويصون التنظيم الذاتي للمهنة، ويكرس الثقة في العدالة.
وفي المقابل، تؤكد الجمعيات أن احترام المسار التشريعي لا يحول دون التمسك بالضمانات الدستورية. فإذا ظل النص النهائي متضمنا مقتضيات تمس جوهر الحقوق والضمانات التي كرسها الدستور، فإن اللجوء إلى آلية الرقابة الدستورية يظل ممارسة مؤسساتية مشروعة، تكفلها أحكام الدستور، وتهدف إلى حماية سموه وضمان مطابقة التشريع للمبادئ الدستورية والالتزامات الدولية للدولة المغربية، بعيداً عن أي منطق للمواجهة بين المؤسسات.
وانطلاقاً من ذلك، فإن الجمعيات الحقوقية المغربية المنضوية في شبكة الأورو-متوسط للحقوق:
أولا: تجدد تضامنها الكامل واللامشروط مع المحاميات والمحامين بالمغرب، ومع جمعية هيئات المحامين بالمغرب، في كافة المبادرات النضالية والمهنية المشروعة الرامية إلى حماية استقلال المهنة وصيانة رسالتها الدستورية.
ثانيا: تدعو مجلس النواب، خلال مرحلة القراءة الثانية، إلى استثمار الفرصة الدستورية المتاحة لإعادة النظر في جميع المقتضيات التي قد تمس استقلال المحاماة أو التنظيم الذاتي للمهنة، واعتماد مقاربة تشاركية حقيقية تستوعب الملاحظات الجوهرية التي عبرت عنها المؤسسات المهنية والفعاليات الحقوقية والخبراء.
ثالثا: تناشد الجهات المخول لها دستورياً ممارسة حق الإحالة على المحكمة الدستورية، عند الاقتضاء، إذا ظل النص النهائي متضمناً مقتضيات تثير شبهة عدم الدستورية أو تمس الضمانات الأساسية للحق في الدفاع والمحاكمة العادلة.
رابعا: تدعو المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والهيئات الدستورية، والجامعات، والمنظمات الحقوقية الوطنية والدولية، إلى مواصلة مواكبة هذا الورش التشريعي، باعتباره شأناً حقوقياً ودستورياً يهم المجتمع بأسره، ويتجاوز حدود التنظيم المهني ليطال إحدى أهم ضمانات العدالة وسيادة القانون.
خامسا: تؤكد عزمها على مواصلة الترافع، وطنيا ودوليا، من أجل كل إصلاح يعزز استقلال العدالة، ويحترم الدستور، ويكرس التزامات الدولة المغربية في مجال حقوق الإنسان.
إن هذا النداء لا يعبر عن موقف تضامني مع مهنة المحاماة فحسب، بل يجسد دفاعا مبدئيا عن إحدى أهم الضمانات الدستورية للحق في الدفاع. فحين تكون المحاماة مستقلة، يكون المواطن أكثر أمنا، وتكون العدالة أكثر إنصافا، وتكون دولة الحق والقانون أكثر رسوخا.
إن قوة الدول لا تقاس فقط بقدرتها على سن القوانين، وإنما أيضا بقدرتها على حماية الضمانات التي تمنح هذه القوانين مشروعيتها، وتصون الحقوق والحريات التي وجدت من أجلها. ومن هذا المنطلق، فإن حماية استقلال المحاماة ليست دفاعا عن مهنة، بل دفاع عن العدالة، وعن المجتمع، وعن مستقبل دولة الحق والقانون.
فلا محاكمة عادلة دون دفاع مستقل… ولا دفاع مستقل دون محاماة مستقلة.
الجمعيات الموقعة:
